موضوع منقول من منتدى اخبار العراق ............
بعضهم رفض الرحيل لأسباب دينية... وآخرون يخشون أن تحرمهم الأزمة المالية من وظائف في الولايات المتحدة... عراقيون مشمولون بالتوطين في أميركا بين مخاوف البقاء والمستقبل المجهول
بغداد - عبد الواحد طعمة الحياة - 08/12/08//
«أمين يريد لبناتي وحفيداتي التعري والذهاب الى النوادي الليلية». بهذه الكلمة بما تتضمن من شكوى وانزعاج، بررت أم أمين (60 عاماً)، الحاملة شهادة جامعية بالقانون، عدم موافقتها الذهاب مع ابنها الذي يعمل مترجماً في مؤسسة أميركية في العراق بعد شموله ببرنامج الحكومة الأميركية «اعادة توطين العراقيين» العاملين مع قواتها والمؤسسات التابعة لها في أميركا حيث بلغ عديد أصحاب الطلبات من العراق فقط حوالي ثلاثة آلاف عائلة جرت مقابلة حوالي ألف منها، في حين أنهى مئات كل الاجراءات بانتظار موعد السفر.
وتابعت «أم أمين» أن «القانون هناك يكبل يد الاسرة في تربية ابنائها ويطلق المراهقين نحو المجهول وعالم الانحراف». وعلى رغم توسلات ابنها بالقبول وخصوصاً أنه قطع نصف المشوار في اجراءاته بعد اجراء المقابلة الاولى، قالت: «صحيح أجرينا المقابلة، لكننا ما نزال على البر. والرفض خير من التورط في مثل هذه الرحلة».
ويدعم الأم في موقفها «أبو امين» (65 عاماً)، وهو متقاعد كانت تنتابه هواجس من نوع آخر مثل قلقه من «توزيعنا هناك في صورة عشوائية، على أن ينتهي بنا المطاف في مدينة خالية من المسلمين أو العرب، ما يزيد من صعوبة الحياة علينا ولا سيما في السيطرة على أولادنا وبناتنا».
ومع اعترافه بوجود مخاطر تهدد حياة العاملين مع القوت والمؤسسات الاميركية، إلا أنه قلل من أهميتها وقال إنها «بدأت تتلاشى وهي الآن أقل خطورة بعدما انتقلنا الى هذه المنطقة الجديدة. فجميع قاطنيها ليست لهم مشكلة مع انفسهم ليرموا بها على شماعات بالية»، في اشارة الى شعارات الاحتلال والعاملين مع الاحتلال.
لكن منى (23 عاماً)، شقيقة أمين، تخرجت في كلية الادارة والاقتصاد العام الماضي، كانت حزينة ومحبطة لعدول عائلتها عن اتمام اجراءات الرحلة الى اميركا. وكشفت: «كنت أخطط لإكمال دراستي العليا هناك في تخصصي وان ادخل الجامعات الاميركية المشهورة التي أسمع عنها في الافلام فقط». ولم تخف وجهة نظرها تجاه مبررات والديها، «وأعتقد بأن مبررات اهلي غير واقعية وفيها كثير من الافراط». وقالت: «لكنني لا يساورني الشك في أن الدافع وراء هذا الافراط فرط محبتنا في قلب والدينا. ويبقى القرار بيد أمي وأبي». أما امين (36 عاماً)، وهو أعزب، وجد نفسه امام خيار واحد فقط «أن أترك الموضوع نزولاً عند رغبتهم وليس لي أن أتركهم وأسافر».
ويسمح البرنامج الاميركي بحسب استمارة حصلت عليها «الحياة» للمشمولين بمن فيهم العاملون في مؤسسات اعلامية أميركية أو مراكز بحوث وغيرها، اصطحاب الزوجة والاولاد والأم والاب والاشقاء وازواجهم واولادهم والشقيقات وازواجهن واولادهن. وتكون كل تكاليف السفر على نفقة الحكومة الاميركية مع توفير سكن وأثاث البيت وملابس للافراد، اضافة الى مبلغ مالي كمعونة شهرية حتى يحصل الأفراد على عمل، وتأهيل البالغين منهم لمهن يريدون مزاولتها وتعليمهم كيفية البحث عن فرص العمل.
لكن اختلاف الثقافات والدين لم تكن مانعاً عند آخرين بقدر مخاوفهم من تأثير الازمة المالية التي تعصف بالاقتصاد الاميركي على فرص العمل وعدم تشجيع زملاء لهم سبقوهم بالسفر. وذكرت الصحافية فاطمة من مكتب «نيويورك تايمز» في بغداد أن زميلاً لها «حصل على اقامة في أميركا منذ عامين. وقبل الأزمة المالية بأشهر، حصل على وظيفة مرموقة في واشنطن، لكن في آخر حديث لي معه على الانترنت وجدته متشائماً من الوضع الاقتصادي هناك. وكان خائفاً من أن يفقد وظيفته».
وتابعت: «قرأت بين طيات حديثه رسالة مفادها انصحكم بعدم القدوم». وتوقع «ابو مالك» المسؤول الأمني لهذا المكتب الاعلامي عزوف حوالي نصف المشمولين منه عن السفر. وذكر أن «عديد المشمولين بهذا البرنامج في المكتب 45 شخصاً قدموا طلبات رسمية لكن تسعة منهم عدلوا عن قرارهم. ومثل هذا العدد أبلغ لجنة الهجرة في السفارة الأميركية اعتذاره عن عدم اجراء المقابلة الاولى، وآخرين اجروا اول مقابلة وقرروا عدم المضي ببقية الاجراءات، ما يجعل العدد يصل تقريباً الى 18».
وصنف مخاوف هؤلاء بكونها «تتمثل بين هاجس احتمال عدم الحصول على عمل، ولا سيما أولئك الذين قدموا طلبات لأفراد عائلاتهم ما يجعلهم يفكرون بأن المشروع سيتحول الى عبء». أما الصحافي قاسم الساعدي من مكتب «اسيوشيتد برس»، فعزا عزوفه عن الاستفادة من برنامج اعادة التوطين الى «أن خوفي من المجهول اربك افكاري وجعلني أضع السفر في خانة المرارة. ووجدت البقاء في بلدي وانفاق وارداتي ومدخراتي في اجراءات امنية لحماية عائلتي افضل من تحول يرعبني».
في المقابل، اعتبر بعض المشمولين برنامج اعادة توطين العاملين مع الاميركيين «فرصة العمر» و «حلماً وردياً طالما عاش على أمل تحقيقه». ولم يخف أحمد السالم، وهو رب عائلة من ثلاثة افراد وصحافي سبق أن عمل في صحيفة أميركية لم يذكرها لأسباب أمنية، مشاعره بعدما أبلغته اللجنة بتسلسل طلبه الذي تعدى الألفين. وقال ل «الحياة» إن «قمة احلامي أن اجعل لابنائي مستقبلا زاهرا بدءاً من الجانب العلمي والثقافي وانتهاءً بتخليصهم من النظرة الدونية التي كثيراً ما آلمتني في دول تجاه العراقي».
وأضاف أن «ما يعزز شعوري هذا الظروف الامنية القاسية التي تعرضت لها انا وعائلتي من محاولات اغتيال وحملات تهجير وخلال السنوات الاربع الماضية انتقلت الى خمس مناطق منها مرتان أُجبرت فيهما على الهروب من بغداد نحو مسقط رأسي في الجنوب». واستشهد السالم بحادثة حصلت معه قائلاً: «وانا اتحدث معك في هذا اليوم اغتيل قرب بيتي سائق شاحنة بقنبلة لاصقة زُرعت خلف مقعده، ما يعني أن أحداً ليس خارج منطقة الهدف فالجميع هدف». وتساءل: «لماذا؟ كيف؟ ما هو معيار الاستهداف؟ لا أحد يدري. اذن ما الذي يبقيني في ظل مناخ من ظلم الأقارب والأهل؟».